الرأي

التنزيل الفلسفي للمجزوءات فكرا وممارسة في حياة المتعلمين.

صدقي كمال /باحث في الفلسفة.

الفلسفة بعيون التلاميذ على هامش الدرس الفلسفي.
رجاء لدي إلتماس بيداغوجي. هل من الممكن التداول في كيفية تصور المتعلمين لمختلف قضايا وإشكالات المجزوءات. مهم أن نتداول في قضايا أكاديمية ومعرفية وقد نتيه في مختلف التأويلات وتحيين المعارف، والاختلاف في المرجعيات والتفاضل بينها ، لكن المسكوت عنه هو كيف يتمثل التلاميذ ما ندرسه لهم من قضايا وأشكالات فلسفية في الإرتقاء بفكرهم وسلوكهم. ويمكن للسادة الأساتذة إشراك عينة من التلاميذ في تحقيق هذا الإلتماس،
طرحتُ مرارا ومنذ عهدي بالفلسفة منذ أواسط السبعينات، السؤال التالي : ماذا بعد تلقي درس الفلسفة؟ وسأكتب كتلميذ وليس كمدرس.تلميذ يحاول لملمة فسيفساء فلسفية لبناء شخصه في علاقته مع الآخر.
سأركز على التجربة الحالية لتدريس الفلسفة، متجاوزا بقية التجارب منذ الستينات وما تراكم من تجارب بيداغوجية وديداكتيكية. الظرف الاستثنائي الحالي يحتم إعادة النظر في تنزيل قضايا وإشكالات المجزوءات والتي تتمحور كلها عبر السنوات الثلاث للبرنامج الفلسفي على مطلوبات وممكنات انوجاد الإنسان بمعية الآخرين في هذا العالم الأرضي بكل مكوناته الإنسانية والحيوانية والبيئية.وسأكز مرحليا على البرنامج الفلسفي للسنة الثانية بكالوريا، في انتظار الرجوع إلى باقي البرامج الفلسفية الأخرى والتي ستكون حاضرة في سياق التذكر والذاكرة.
السؤال البيداغوجي المطلوب طرحه. لماذا وكيف أتمثل قضايا وإشكالات ومنهجيات الدرس الفلسفي فكرا وسلوكا؟
أولا: مجزوءة الوضع البشري.
1- بأي معنى أنا معني بالتفكير في الوضع البشري؟ لأنني من البشر ،ومن حقي مناقشة والتفكير في وضعي، المحلي ،وتقاطع وضعي هذا مع الوضع الكوني لكل البشر وتعميق النقاش حول التفكير فيه فلسفيا.ولكن حين أخرج من درس الفلسفة وألتحق ببقية الدروس، فيما تفيدني بقية الدروس في فهمي لوضعي البشري؟ هل مادة الفلسفة وحدها تملك حق التفكير في الوضع البشري وتسائله؟ إذن ماذا أتعلم من مادة التربية الإسلامية والأدب والاجتماعيات والرياضيات والفيزياء والألسن والتربية البدنية..؟ كيف يحضر الوضع البشري في هذه المواد؟ قال لنا مدرس الفلسفة ” تعتبر الفلسفة مادة مدرسية متفاعلة مع بقية المواد الدراسية المقررة في التعليم الثانوي التأهيلي ومتكاملة معها في التكوين الفكري والمنهجي والثقافي للتلاميذ..” ( التوجيهات التربوية ص 3) مما يعني ” مساعدتنا على بناء نظرة تركيبية للمعارف وأراء التي نتلقاها، وعلى ممارسة التفكير النقدي الحر والمستقل والمسؤول، والتشبع بقيم التسامح والمساواة والنزاهة والسلم والمواطنة والكونية…..”( نفس المرجع) لكن أتساءل، لماذا يطلب بعض المدرسين حفظ المضامين المملات واستنساخها في الامتحان الوطني كما هي؟ أين قيمة التفكير النقدي الحر والمستقل والمسؤول لحظة كتابة موضوع الإنشاء الفلسفي أو النقاش داخل الفصل ؟ ما حدود مسؤوليتي في اختيار الطريقة والمحتوى والمنهجية في التفكير والمناقشة داخل الفصل وفي كتابة إتشائي، وأكرر إنشائي أنا ، وليس إنشاء على مقاس المصحح أو دليل التصحيح …..
أكيد هاته الأسئلة يُجيب عليها مفهوم الشخص. وهل بالفعل يتم التعامل معي كشخص في المدرسة والشارع والبيت؟ وأيضا هل أنا أتعامل مع ذاتي كشخص؟ فما معنى أن من شروط وضعي البشري أن أكون شخصا؟ وكيف لمواقف وأطروحات الفلاسفة أن تساعدني في تمّلك انوجادي كشخص؟ فيما يمكن أن تساعدني نصوص الفلاسفة ومن خلالها أطروحاتهم على أن أكون شخصا؟ أفهم بأن مفهوم الشخص رتبة في الوجود يجب أن أصل إليها في فكري وسلوكي ، وليست معطاة، ولو كانت كذلك لما شكلت إشكالا فلسفيا،( ضمن التراتب التالي : الكائن والفرد والشخص ) ربما أن جميع الفلاسفة وعلماء الإنسان يتفقون على الرتبة الوجودية لمكانة الشخص ولكن يختلفون في شروط تحصيل الوجود الشخصي .وهذا ما يدفعني إلى مساءلة دلالة الهدف من وجود ثلاث قضايا ، وهي الهوية والقيمة والضرورة والحرية. أتساءل ما مبرر تدرج هذه القضايا وما طبيعة علاقتها بالشخص؟ وكيف نفسر استحضار عدد من النصوص لعدد من الفلاسفة؟ لماذا يختلفون؟ وهل لهذا الاختلاف نتائج عكسية على طموحي في فهم الشخص الذي أنا هو في النهاية وهو كذلك بالنسبة لصديقتي صوفيا التي تقتسم معي الطاولة كما تقتسم معي الطموح الفلسفي الذي يروم الاستفادة من الفلسفة وبقية المواد، وهل مطلوب مني السفر بين تعدد الفلاسفة لأبحث عن الشخص أنا وهم مختلفون؟ بل أكثر من ذلك، اللاحق منهم يفنذ ما قبله حتى ولو كان معاصرا له؟ كم أتعب وأحس بالملل ومدرسنا يستعرض مختلف الأطاريح وأنا تائه أبحث عن خيط ناظم في أعماق الهوية يرشدني إلى من أنا، هذا الأنا / الشخص التي جعلته الفلسفة عبارة عن فسيفساء يصعب لمّ شتاتها وتجميعها في نسق يبني مفهوما للشخص أحيا به في الواقع بمعية الأنوات الأخرى كأغيار.فيما يفيدني الخلاف بين جون لوك وشوبنهاور( في رحاب الفلسفة) أو ديكارت وسارتر ( في منار الفلسفة) أوجون لا شوليي وفرويد ( في مباهج الفلسفة) وقد يستغنى مدرسنا على كتابي أنا التلميذ ويجلب من عنديته نصوص فلاسفة آخرين.
كم أعجبتُ بالتعريف الذي قدمه أستاذنا كون الشخص أنا بشري مفكر واع بذاته مما يجعل منه قيمة مطلوبة لذاتها. ومن ثمة امتلاك الشخص للحرية وإحساسه بالمسؤولية والكرامة والحق في الوجود. ألتفتت إلي صديقتي في الفصل، صوفيا، التي تجلس بجواري وسألتني: ما مؤنت الشخص؟ وهل المرأة معنية بهذا التعريف؟ وأنا بصدد إجابتها طلب مني المدرس الانتباه. وتساءلت مع ذاتي، ما المبررات التي جعلت صديقتي صوفيا تسأل سؤال التأنيث والذكورة؟ هل حرك فيها مفهوم الشخص حقيقة كونها واقعيا مهمشة مستبعدة في مجتمع ذكوري لا يتعامل مع المرأة كذات Sujet بل كموضوع Objet. ؟.هذه معضلة فلسفية يجب التفكير فيها، وسأطرحها للنقاش في حصة المائدة المستديرة التي دأب مدرسنا عقدها كل شهر.
الشخص والهوية
مع المحور الأول تبدأ رحلة فلسفية شاقة ومتعبة من خلال مواجهة فحول الفلاسفة وأنا تلميذ لا يملك العدة اللسانية لمجارات مختلف النصوص ومفاهيمها وحجاجها وتفاعلها مع نصوص أخرى ومدرسنا يتعب في لم شتات مختلف الأطروحات.
كتب مدرسنا على السبورة : المحور الأول : الشخص والهوية. فبدأ في الشرح….تعرفنا مبدئيا على مفهوم الشخص كونه ذاتا واعية وتتحمل مسؤولية أفعالها. لكن أردف قائلا : قد نتفق على أن هذا التعريف العام يتضمن هوية الشخص أي ما به يتحدد الشخص كشخص. والتعريف السابق يتضمن بالفعل أساسين رئيسيين يشكلات ما به يكون الشخص هو هو ، وهما الوعي وتحمل المسؤولة وهاته نتيجة لحرية الشخص في التفكير والممارسة وككل تحمّل للمسؤولية فهو يحاسب عليها. قلت في نفسي من الآن سأقول لوالدي أنني لم أعد قاصرا وأصبحت واعيا وأستطيع تحمل المسؤولية.وأتذكر أستاذي في مرحلة الجذع المشترك لما نبهنا إلى تزامن تدريس الفلسفة مع فترة المراهقة، وهي فترة النضج الوجداني والجسدي. وهذا ما تأكّد لي أيضا في مجزوءة الإنسان في الأولى بكالوريا. أنا شخص ناضج ومن حق الاخرين احترامي، والعكس بالعكس أحترم الذوات الآخرى بمثل شعوري بنضجي وقدرتي على الاستقلالية وتحمل المسؤولية. ولكن ياريث يحترم المصحح لإنشائي الفلسفي هذه القيم النبيلة، أريد أن أتفلسف لأثبت ذاتي، وأجسد حرية التعبير في كتابتي الإنشائية. ألا تتناقض قيمة الحرية والنضج والاستقلالية مع مطلب الحفظ والاعتماد على الطرائق الجاهزة في الكتابة؟لكن لماذا أجد صعوبة في إنزال ما أتعلمه في المدرسة في حياتي اليومية بالشكل الذي يبدو واضحا في تجربة الفصل على الأقل على مستوى التأمل والخطاب الفصلي؟
استمر المدرس في تفسير الرهان من قضية الشخص والهوية، باعتبار الهوية كما عرفها هي ذات الشيء الذي يبقى على ما هو عليه أي هو هو ، وتتدخل صديقتي صوفيا هامسة : هي هي لآن الهوية بصيغة التأنيث.أجبتها سريعا : سنناقش القضية بعد نهاية حصة الفلسفة.
بالفعل أثر في هذا التعريف للهوية، وطرحت على نفسي سؤالا قبل أن يطرحه الفلاسفة، ما هذا الذي على أساسه أكون أنا هو أنا؟وهل يتعلق الأمر بي شخصيا أم سؤال الهوية موجه للعموم من البشر؟ كم فرحت لما سأعرف فيما بعد ومن خلال الطرح الإشكالي أن جون لوك طرح نفس سؤالي. سألتٌ المدرس بعد الاستئذان. هل كل البشر لهم نفس الهوية أي ما به يوجدون وبالتالي هم متشابهون؟ إبتسم المدرس وأجاب سنعرف القضية بالتدرج، وكن على يقين أن هذا الذي به يوجد الشخص على أنه هو هو اختلف الفلاسفة حول طبيعته في الذات الإنسانية. أراد مدرسنا أن يتفاعل معي وسألني، هل الشخص مثل حجر أصم متجانس وتجاور مع بقية الأحجار أم متعدد المكونات ومتفاعل مع الأغيار والطبيعة؟ فهمت على التو مبتغى المدرس من طرح السؤال. تذكرت ما تعلمته في مجزوءة الإنسان أن الإنسان متعدد المكونات، وتذكرت عنوان نص للمفكر إدجار موران، الإنسان ” كائن بيوثقافي ” كما تذكرت بعضا من قضايا مجزوءة الطبيعة والثقافة والتي ستنير بعضا من إشكالات وقضايا الشخص والهوية.تابع المدرس نقاشه وتفاعله والذي حفزنا لييس ابتغاء لذة التفكير والمناقشة حيث بدا الأمر “أن الكتاف مقادة” في مادة الفلسفة، بل رغبة منه في مساعدتنا على فهم ذواتنا، وكيف نتقاسم مع غيرنا نفس المكونات الوجودية، لكن تختلف في تجليها وأهميتها بحسب اختلاف المرجعيات والمنظور للأولويات، وفهمت القضية منذ الجذع المشترك أن للثقافة والطبيعة والمكان (المدينة،القرية… ) تأثير على تجلي تلك المكونات في الممارسة الحياتية. ستظهر هذه التجليات في الطرح الإشكالي الذي توصلنا إليه مع المدرس بعد فسحة من التوتر والتعب الفكري، بالرغم من أن المدرس كان يُنوّع أسئلته البيداغوجية ليقربنا من الإشكالات المطروحة، وكان يذكرنا بما تعلمناه في الجذع المشترك والأولى بكالوريا، لترسو سفينة التفاعل محملة بالإشكالات التالية : هل تكمن هوية الشخص في وحدته وتطابقه مع ذاته حيث يبقى الشخص هو هو أمام مختلف التغيرات أم تقوم هوية الشخص على التعدد المتوتر بين مختلف مكوناته ؟ طيب فهمتُ رهان هذا الأشكال.لكن لم أفهم جيدا مفهوم التعدد، بدليل أن التعدد موجود في الشق الأول من السؤال ، بمعنى أن مجموع المكونات الوجودية تنضبط وتقدم الولاء الوجودي لمكون هو أصل التطابق وعلى أساسه يتم التطابق لتختزل فيه شرطية الهوية.كم فرحت بهذا الاستنتاج الذي ستؤكده تحليلات مدرسنا لمختلف النصوص الفلسفية.
لكن سينحو النقاش منحى أكثر تعقيدا حين فاجأنا المدرس بالشق الثاني من الإشكال : وهل هوية الشخص معطى قبلي ثابث وسابق في الوجود على انوجاد الشخص أم الهوية هي عملية بناء مركبة ومعقدة ومن ثمة مكتسبة من خلال شروط خارجية تتمثل في وجود الغير ودور التاريخ في تمرحل انوجاد الشخص عبر سيرورة معقدة؟
هنا أحسست بالدوار، وحاولت استجماع قواي العقلية بعد أن تعب الجسد على الجلوس على الطاولة لمدة تقترب من ساعة.وتساءلت، ما الغاية من تجميع معطيات مركبة في الشق الثاني من الإشكال : بناء، تعقيد، مكتسبة، الغير، التاريخ.؟ عندها تذكرت أن هيكلة المجزوءة تتضمن ثلاث قضايا أساسية، الشخص والغير والتاريخ.فقلت في نفسي، هل لدينا الطاقة والصبر لجمع شتات تلاث مفاهيم ولكل مفهوم ثلاث محاور مما يعني السفر الفلسفي عبر ما يفوق الثمانية عشرا نصا تحليلا ومناقشة وتمثلا…في مجزوءة واحدة .
طلب منا المدرس الإطلاع على نص جون لوك ونص شوبنهاور ( في كتاب الرحاب ) من خلال أسئلة على شكل تمرين منزلي يساعدنا على فهم النصين، وكتب المدرس على السبورة التالي: يتساءل جول لوك، ما الذي يُكوّن الهوية الشخصية؟ ويتساءل شوبنهاورعلى ماذا تتوقف هوية الشخص ؟ بيّنوا أساس الهوية لدى كل فيلسوف، واستخرجوا حجاج كل فيلسوف بخصوص أساس الهوية، مع الإفصاح عن موقفكم الشخصي من هذا الأساس؟ إلفتتُ إ|لى صديقتي صوفيا وقلتُ لها، في حالة اختيارك لأساس جون لوك وأنا أساس شوبنهاور، ألا يفرقنا هذا الاختيار ،ومع ذلك نظل صديقين مقربين؟ أو لنتفق على نفس الأساس بحيث لا يفرق بيننا اختلاف الفلاسفة. فأنا أنت وأنت أنا؟ فأجابتني، أنت لا تتحدث عن الفلسفة بل عن الحب. تفاحأت بجوابها فسألتها كيف؟ أجابت لآن الحب هو ذوبان الشخص في الآخر.لا أخويا أنا صديقة القسم فقط.ولا أريد أن أتطابق معك. لماذا لم تستوعب أن الشخص حر ومستقل ؟ لم أكن أتصور أن سؤالي البريئ حول الاتفاق على اختيار أساس أحد الفيلسوفين سيسبب لي مشكلة مع صديقتي التي قرأت نوايا اللاواعية التي لم أتفطن إليها. لتبرير رغبتي الإيروسية اللاواعية قلتُ لها مداعبا. مهما اختلفنا فكلانا في حضرة ” محبة الحكمة” أنت صوفيا وأما فيلو. فما العيب في ذلك. ابتسمت، وحينها أدركتُ أن الفلسفة فضاء للمحبة ” ..والإرتقاء بالسلوك والتعامل من مستوى الاندفاع والعنف إلى مستوى التحكم الواعي والقصدي الموجه بالقيم الإ|نسانية الكونية، ومن الذاتية المغلقة الإقصائية إلى التبادل والمشاركة والانفتاح القائم على الاحترام والتسامح والحوار والتواصل على أساس قيم الخير والحق والجمال.” ( المنهاج) وبالمناسبة صديقة القسم صوفيا خيرة ومتواضعة ومتواصلة وجميلة في تفكيرها وسلوكها.
في الحلقة المقبلة :
حكايتي مع صوفيا ومحور الشخص بوصفه قيمة. لصديقتي صوفيا عدة أسئلة محرجة بخصوص موقف الفلسفة من قيمة المرأة في أجندة الفلاسفة. لكن التخوف لا زال قائما بخصوص الامتحان الوطني حيث أتساءل هل يسمح لنا المصحح بالتفلسف وابتغاء لذة الكتابة الفلسفية المخلصة لمبدأ ” محبة الحكمة”؟
وللموضوع بقية رفقة السفر مع الفلاسفة ومدى تأثيرهم في نظرتنا لذواتنا وللآخرين وللطبيعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى