الرأي

قراءة في موجة المد العالمي لليمين المتطرف 2/2.

فوزي هليبة.


عرف اليمين المتطرف الرجعي، الإستبدادي/ الفاشي، خلال السنوات الأخيرة موجة صعود عالمية: فهو حاليا يحكم نصف بلدان العالم، على رأس اللائحة نجد “ترامب” في الولايات المتحدة الأمريكية، “موضي” في الهند، “أوربان” في هنغاريا، “أردوغان” في تركيا، “سالفيني” في إيطاليا، “دوتيرتي” في الفلبين، داعش الدولة الإسلامية و”بلسونارو في البرازيل … هذا بالإضافة إلى أن هناك العديد من الدول تحت قبضة حكومات قريبة من توجهات اليمين المتطرف، من ضمنها روسيا تحت حكم “بوتين”، حكومة إسرائيل الصهيونية تحت حكم “نتانياهو”، ثم اليابان ، أوستراليا، بولونيا، بيرمينيا وكولومبيا… ويبقى الإختلاف بين المجموعتين، نسبي، شكلي وضئيل.
لهذا اليمين المتطرف العديد من المميزات والخصائص التي تختلف من بلد لآخر: ففي أغلبية الحالات كما هو الحال في أوروبا والولايات المتحدة الأمركية، الهند وبرمينيا نجد أن العدو الرئيسي هو المسلم و/ أو المهاجر وفي بعض الدول الإسلامية يتخذ العدو شكل الأقليات الدينية، المسيحيين، اليهود اليازديين. وفي المناطق الأخرى التي تعرف هيمنة الشوفينيات الوطنية والعنصرية والأصوليات الدينية حيث يسود الكره والعداء تجاه اليسار، الحركة النسائية والمثليين.
بالرغم من هذا الإختلاف و التنوع نجد أن هناك خصائص مشتركة بين جميع هذه الحالات: السلطوية والإستبداد في إطار مناخ يتسم بعدم التسامح الإثني( العنصرية) في حالة الأصوليات الوطنية، إستعمال العنف البوليسي والعسكري كوسيلة لمواجهة المشاكل الإجتماعية …
هناك العديد من المفاهيم التي تم تداولها من أجل وصف هذه القوى، من ضمنها مفهوم “الشعبوية” الذي يتم إستعماله من طرف الأكاديميين السياسيين ووسائل الإعلام بل وحتى من قبل جزء من اليسار، وهو مفهوم غير قادر على فهم جوهر الظاهرة التي نحن بصددها، بل بالعكس، تساهم فقط في إلقاء المزيد من الضبابية حول هذا المشكل.
إذا كان إستعمال هذا المفهوم في أمريكا اللاتنية، خلال سنوات الثلاتينات إلى حدود الستينات من القرن الماضي، قد ساعد في مقاربة ظاهرة “البرغييزمو و البورينيزمو”، فإن إستعماله في أوروبا، إنطلاقا من سنوات التسعينات، قد شابه الكثير من الضبابية والتجريد.
الشعبوية هي موقف سياسي يقوم على ” دعم الشعب ضد النخبة”، هذا المفهوم يمكن تطبيقه على جميع الحركات والأحزاب السياسية، لكن إستعماله من أجل مقاربة قوى اليمين المتطرف، يقود بطريقة إرادية أو لا إرادية إلى شرعنة هذه الأحزاب وجعلها أكثر قبولا ( من هو ليس مع الناس وضد النخبة) بالإضافة إلى أنه يساعد على إخفاء الأوجه الحقيقية لهذه القوى كقوى شوفينية، عنصرية و فاشية
كيف يمكننا فهم هذا الصعود الطوفاني لليمين المتطرف، سواء في شكل حكومات، أو في شكل أحزاب سياسية لم تحكم بعد، لكن لديها قاعدة إنتخابية واسعة وتأثير قوي على مجريات الحياة السياسية للعديد من الدول كما هو الحال في فرنسا، بلجيكا، هولاندا والدانمارك…؟
من الصعب جدا طرح تفسيرات عامة لظواهر جد مختلفة تعبر كل واحدة منها عن تناقضات كل بلد أو منطقة من هذا العالم، لكن ما دام الأمر يتعلق بموجة مد عالمي، لا بد من طرح بعض الفرضيات،
أول التفسيرات السائدة والمتداولة، والتي نرفضها جملة وتفصيلا، وهي تلك التي تربط بين صعود اليمين الراديكالي بتنامي موجات الهجرة خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية و أوروبا. في هذا السياق يتحول المهاجرين والمهجرات إلى الحلبة التي يستعرض فيها اليمين العنصري ، قواه لكن هذا لا يحدد سبب نجاحه، بالإضافة إلى أن اليمين المتطرف يعيش وضعية إزدهار ربيعي في العديد من البلدان كالبرازيل، الفلبين، الهند ….حيث لا حديث عن الهجرة
هناك تفسير آخر أكثر تعبيرا وهي العولمة الرأسمالية ، التي هي كذلك مسلسل وسيرورة تطويع ثقافي بشع الذي ينتج و يعيد إنتاج على مستوى عالي أشكال من “الذعر والرعب الهوياتي” حسب تعبير دانييل بنسعيد. هذا يؤدي بالضرورة إلى تمظهرات في شكل عصبيات وطنية أو دينية التي تساعد على إنعاش الصراعات الإثنية أو العقائدية
التفسير الآخر يكمن في الأزمة المالية للنظام الرأسمالي التي نتج عنها إنهيار إقتصادي، توسع دائرة البطالة والتهميش الإجتماعي منذ 2008 ، هذا المعطى كان عاملا مهما وحاسما في نتيجة إنتصار ” ترامب و بولسونارو” لكنه أقل أهمية بالنسبة لدول أوروربا. اليمين المتطرف هو قوة سياسية قوية جدا في الدول الغنية التي كانت أقل عرضة لتأثيرات الأزمة الرأسمالية كالنمسا، سويسرا، بينما في الدول التي كانت عرضة لمخالب الأزمة كإسبانيا و البرتغال نجد أن اليسار واليسار الوسطي قوة سياسة مهيمنة أمام يمين مهمش.
كل هذه المجريات تمخضت في إطار مجتمعات رأسمالية عاشت وعانت الهيمنة المطلقة للنظام النيوليبرالي منذ سنوات الثمانينات من القرن الماضي، حيث دمرت كل أشكال و روابط التضامن الإجتماعي و حيث تم تعميق كل أشكال الفوارق الإجتماعية والطبقية. من الضروري كذلك أن نستحضر ضعف اليسار الشيوعي وانحباسه، دون أن تتكمن قوى يسارية أكثر راديكالية من إحتلال هذا الفراغ السياسي

هل هي عودة لسنوات الثلاتينات من القرن العشرين؟
التاريخ لا يعيد نفسه، يمكننا أن نجد بعضا من أوجه التشابه الجزئي، لكن الظواهر الحالية هي جد مختلفة عن النمادج التي عرفها الماضي. حسب التحليل الماركسي الكلاسيكي، الفاشية هي بمثابة ” رد فعل من طرف الرأسمال الكبيرو بدعم البرجوازية الصغرى أمام التهديد الثوري للحركة العمالية”. إذا كان هذا التحليل قد ساعد فعلا على فهم وتفسير صعود الفاشية في إيطاليا، ألمانيا وإسبانيا خلال سنوات العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، فإنه غير مجدي حاليا في الوقت الراهن، فلا وجود لتهديد ثوري في أي مكان من أجل حركة أممية لمناهضة الفاشية.
كيف يمكننا النضال ضد هاته الموجة؟ للأسف لا وجود هناك لأية وصفة سحرية للنضال ضد هذه الموجة الرمادية التي تخيم على العالم. النداء الذي وجهه ” برني ساندرس” من أجل جبهة أممية لمناهضة الفاشية كان إقتراحا رائعا، دون التغاضي عن أهمية تشكيل تحالفات موسعة من أجل الدفاع عن الحريات الديموقراطية في كل بلد على حدى
يجب أن نأخد بعين الإعتبار على أن النظام الرأسمالي في مراحل أزماته، ينتج و يعيد إنتاج ظواهر كالفاشية والإنقلاب وبروز أنظمة أوتوقراطية، طبيعة المشكل تكمن في جذور النظام الرأسمالي والحل لا يمكن أن يكون إلا رادكاليا أي بتعبير آخر الحل مناهضة النظام الرأسمالي نفسه. سنة 1938، ماركس هوركهايمر أحد أبرز المفكرين التابعين لمدرسة فرانكفورت النقدية كتب : إذا لم تكن لديك الرغبة في الحديث عن الرأسمالية، فلا يمكن أن تقول شيئا عن الفاشية. بعبارة أخرى : كل من يناهض الفاشية هو بالضرورة مناهض للرأسمالية.

]]>

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى