الرأي

يوميات الحجر الصحي، مداومة وقائية أم سجن مقنع؟

 العاطفي فريدة/ فرنسا.

الثلاثاء 17 مارس/ فرنسا: ثاني يوم من الحجر الصحي…
الحجر الصحي كلمة جديدة وغريبة، إنها سجن دون أن تكون سجنا، إقامة في مستشفى دون أن تكون مستشفى ولا إقامة فيه…احسست أنني في فترة زمنية قصيرة أصبحت اعيش في زمن آخر غير الزمن، وكوكب آخر غير الكوكب ، حتى الناس لم يعودوا هم نفس الناس، فجأة في ومضة عين أصبح الناس متساوون على الكرة الارضية، اصبحنا نحمل نفس الاحاسيس،ونوع من الخوف لم يسبق ان عشناه ، هو خوف جديد لأنه مركب، خوف من المرض، خوف من الموت، خوف من الفقد ، خوف من الجوع، خوف من المجهول . خوف علينا وخوف على أحبابنا.بأي سلاح نفسي سنواجه كل هذا الخوف؟ اعددت فنجان قهوة وصوت بداخلي يقول:
ربما علينا أن نبحث في اعماقنا عن قوة نفسية تراكمت بداخلنا عبر سنين من الخيبات والأفراح والوحدة والصخب والامل والألم والانهزامات والانكسارات. لعل القوة النفسية هي تفاعل دقيق بين كل هذه المشاعر، نملكها جميعا بداخلنا وبدرجات متفاوتة، هناك من يعرفها لأنه يستعملها ، وهناك من تاهت منه…وهذه فرصة لنبحث عنها كلؤلؤة ثمينة، ونتعلم بعد ذلك ألا نفرط فيها.

ملأت حوض الحمام بالماء ورميت عليه صابونا مع ورد أحمر مجفف…ودخلت فيه، سافرغ رأسي من كل الافكار واسلم كل حياتي ولو لثوان للماء والورد والصابون.

شكل الورد الأحمر المجفف على الماء جميل، أتابعه يسبح بهدوء … بهدوء … يقترب ويبتعد … فتبتعد مع طيفه أفكاري القلقة… تبتعد…تبتعد… إلى أن تنكمش و تنام… أفكارنا مثلنا تنام وتستيقظ… وهي تستيقظ كلها دفعة واحدة في المراحل الصعبة من الحياة …لذلك تكون متعبة.
بدأت أفرغ رأسي من الأفكار شيئا فشيئا حتى اصبحت كريشة طاووس خفيفة ملونة وجميلة، لم أعرف كم قضيت من دقيقة في الماء؟ لماذا يقولون ولد الانسان من التراب وسيعود للتراب؟ أحس ان الانسان ولد من الماء ويجب أن يعود للماء…

كلما دخلت في الماء أحس أنني أعود إلى بطن أمي، ثمة علاقة غريبة بين بطن الام والماء، أحس أيضا بأنني بحاجة لماء من نوع آخر…أحسني بحاجة للحب…و لاشيء غير الحب.
خرجت من الحمام بإحساس لذيذ ومنعش، شغلت موسيقى صامتة تساعدني أن ألتقط كل هذه الاحاسيس الجديدة التي أشعر بها.
على الفايس بعثت لي اليزابيت وهي جارة فرنسية في السبعين من عمرها دعوة للانضمام الى مجموعة كونها الجيران على الفايس: ” سموها hello voisins” غريب منذ سنين وأنا أعيش في هذا الحي لا يكاد الناس يعرفون بعضهم ، والآن ، الآن انتبهوا الى أهمية التواصل بين الجيران…أجد الأمر مثيرا وايجابيا.
الصفحة بدأت تمتلئ بأشخاص يدخلون يقدمون انفسهم، ويتحدثون عن الورود التي بدؤوا يزرعونها في حدائقهم وعلى شرفاتهم…لا أحد يتحدث عن الفيروس …جميعهم يتحدثون عن الحياة… اكبر انتصار على الخوف، هو عدم الحديث عنه…أكبر انتصار على الخوف…هو الانتصار للحياة…
صباح الخير ايتها الحياة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى