الرأي

ٱفاق العلاقات المغربية الإسبانية بعد التعديل الحكومي الجديد في إسبانيا.

الدكتور عبد الرفيع التليدي/ (جامعة ليريدا/كطالونيا/إسبانيا)

يبدو أن لمسة الدبلوماسية المغربية حاضرة في هذا التعديل الحكومي الجديد الذي أقدم عليه رئيس الحكومة الإسبانية الاشتراكي بيدرو سانشيز وخصوصا فيما يتعلق بوزارة الخارجية التي كانت تديرها الوزيرة: ارانتشا غونزاليس لايا والتي كانت تشكل جزء من الأسباب التي ادت إلى نشوب أزمة دبلوماسية كبيرة مع المغرب بعد تبنيها لسياسة التحايل أو ربما بسبب عدم تبصرها وعدم إطلاعها على الكثير من الأمور التي تنبني عليها العلاقة المغربية الإسبانية أو ربما طمعها في الحصول على بعض الإمتيازات التي قدمها لها نظيرها الوزير الجزائري السابق في الخارجية: صبري بوقادوم والذي شاءت الأقدار أن يقال هو كذلك في نفس الأسبوع بفارق يومين أو ثلاثة فقط بينهما.
ويأتي هذا التعديل الحكومي في إسبانيا كما جاء على لسان رئيس الحكومة في إطار بعث ديناميكية جديدة في الإقتصاد و مواجهة التحديات التي تعاني منها البلاد على مستوى جائحة كورونا و تداعياتها الاقتصادية السلبية التي أثرت بشكل كبير على المستثمرين وعلى اصحاب بعض الشركات في عدة قطاعات مما خلق نوع من الاحتقان و قلة المداخيل، إلخ. وهو أمر إذا استمر طويلاً فقد يؤدي إلى نوع من الاحتقان السياسي والاجتماعي وبالتالي قد تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه. ولهذا كان من الضروري في إطار عملية استباقية القيام بهذا التعديل الذي شمل سبعة وزراء منهم من كان مقرب جدا من رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ك لويس ابالوس الذي يعتبر الرجل القوي في الحزب الاشتراكي من أجل تجنب الأسوأ في الإنتخابات المقبلة خصوصا وأن الحزب بدأ يفقد بريقه في الأيام والشهور الأخيرة.
وبالنظر إلى العلاقة المغربية الإسبانية فيجب وضعها في اطارها المبني دائما على ما هو تاريخي ، جغرافي، سياسي، إجتماعي ، إقتصادي إلخ. مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح المشتركة والتعاون الثنائي في عدة مجالات و الثقة التي يجب أن تكون متبادلة والتي يجب أن تسود بين البلدين لما فيه خير لشعبيهما. لكن وبكل وضوح فإن هذه العلاقة المغربية الإسبانية بدأت تعرف بعض التوتر منذ أن أعلن المغرب عن تحديد حدوده البحرية والتي أصبحت تشمل جبل يسمى ب “جبل تروبييك” الغني بالمعادن والموجود قبالة السواحل الجنوبية للمملكة والتي كانت اعين إسبانيا متجهة إليه. وفي هذا الشأن تقدمت الحكومة الإسبانية بطلب إلى الأمم المتحدة من أجل توسيع مجالها البحري انطلاقا من جزر الكناري للوصول إلى هذا الجبل و الذي يحتوي على كمية هائلة من المعادن التي تستخدم في صناعة السيارات الكهربائية والهواتف المحمولة بالإضافة إلى صناعات أخرى.
والجدير بالذكر هنا أن النقطة التي أفاضت الكأس في توتر هذه العلاقة هو سماح دخول ما يسمى بزعيم البوليزاريو: “ابراهيم غالي” بجواز سفر مزور يحمل اسم “محمد بنبطوش” دون إخبار السلطات المغربية بهذه العملية، و ربما أن المسؤولين عليها كانوا يظنون أن المغرب لن يعلم بها خصوصا وأنها تمت تحت شعار: “سري جدا” بالاتفاق مع الجانب الجزائري الذي طلب من المسؤولين الحكوميين في إسبانيا قبول دخول بنبطوش إلى إسبانيا من أجل العلاج بعدما رفضته المانيا. وقد تمت هذه العملية بهذا الشكل تجنبا لحدوث مسائلة قانونية له أو الإعتقال على إعتبار أن مجموعة من الأشخاص والهيئات تقدموا ضده بدعوات الاغتصاب والتعديب عندما كان ممثلا لجبهة البوليزاريو في إسبانيا. لكن يقضة المخابرات المغربية وتتبعها للعملية جعلتها تكشف عن جميع تفاصيلها مما أربك حسابات المسؤولين الذين خططوا لها وجعلتهم يتخبطون في العشوائية وعدم القدرة على التركيز.
أما النقطة المهمة في هذا التوتر كما عبر عنها وزير الخارجية المغربي: السيد ناصر بوريطة هو فقدان الثقة في الحكومة الإسبانية التي أصبحت تكيل بمكيالين في تعاملها مع المغرب دون الأخذ بعين الاعتبار مصالحه الوطنيه العليا وخصوصاً قضية الصحراء التي يعتبرها المغرب قضيته الأولى و هو مستعد للدفاع عنها مهما كلفه ذلك من ثمن. إضافة إلى معاكسته على المستوى الدولي في تسوية هذا المشكل خصوصا بعد الإعتراف الأمريكي في عهد دونالد ترامب بمغربية الصحراء واعتبارها جزء لا يتجزأ من التراب المغربي و محاولة إقناع الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن بالتراجع عن هذا القرار لأن المهم بالنسبة لإسبانيا هو استمرار وإطالة أمد هذا المشكل حتى لا يطالب المغرب إسبانيا باسترجاع مدينتي سبتة و مليلية والتي كثر الحديث عنهما في الأيام الأخيرة.
إسبانيا في الوقت الراهن لن تجرؤ على الاعتراف علنا بمغربية الصحراء لأنها تعرف أن المغرب ماض في تضييق الخناق على مدينتي سبتة و مليلية وبالتالي محاولة استرجاعهما، إضافة إلى محاولتها اليائسة للوصول إلى جبل تروبييك الغني بالمعادن. ربما الحل النهائي لقضية الصحراء المغربية سيأتي عن طريق اعتراف رسمي اوروبي بسيادة المغرب على صحرائه. كما تبين عدم قدرتها على مواجهة المغرب لوحدها وغالبا ما كانت تلجأ و تحتمي بالاتحاد الأوروبي من أجل إصدار أي قرار يدين المغرب أو تتخذ عقوبات صارمة في حقه، لكن كل هذا لم يتحقق وبالتالي فشلت في إستراتجيتها. و من جهة اخرى، أبانت هذه الأزمة أن القضاء الإسباني لم يكن في المستوى المطلوب ويعاني ما يعاني أو ربما تحركه بعض التعليمات الخفية التي حالت دون محاكمة بنبطوش محاكمة حقيقية وتركه يغادر إسبانيا بسرعة شديدة. و قد لوحظ كذلك تواطؤ بعض وسائل الإعلام الإسبانية ومحاولة التغطية على موضوع إدخال بنبطوش إلى إسبانيا بطريقة غير صحيحة والتأكيد على الجانب الإنساني في هذه العملية. وكذلك محاولة التركيز على دخول القاصرين إلى مدينة سبتة ولفت أنتباه الرأي العام المحلي وكذلك الأوروبي حول هذا الموضوع والتي كانت تعتبر كفرصة للنجاة من مشكل إدخال بنبطوش بهوية مزورة.
هذا المشكل خذش صورة إسبانيا أمام الرأي العام الأوروبي و العالمي وجعلها تتخبط و تدخل في دوامة من التعقيدات يصعب الخروج منها بسهولة، وقد لوحظ طيلة الأزمة من خلال تصريحات بعض المسؤولين الحكوميين أنهم لا يريدون التصعيد مع المغرب وأنهم يحاولون الوصول إلى صيغة تفاهم لإعادة العلاقة إلى سابق عهدها، لكن لحد الآن المغرب ماض في سياسته الجديدة مع إسبانيا والتعامل معها الند للند كما هو الشأن بالنسبة لألمانيا و قد اتضح كل هذا من خلال حرمان جميع الموانىء الإسبانية من عملية عبور الجالية المغربية المقيمة بالخارج لهذه السنة والتي تكبدت من خلالها خسائر مهمة تقدر بالملايير ومحاولة البحث عن موانيء أخرى في الجارة البرتغال. إضافة إلى رفضه لمقترح مجموعة من الدول التوسط في هذا المشكل.
وبالنظر إلى كل هذه التجادبات و هذه الصعوبات التي تمر منها هذه العلاقة المغربية الإسبانية فيمكن القول على أن إسبانيا والمغرب بلدين جارين ولديهما مصالح مشتركة مهمة و بالنظر إلى هذه المصالح فإنها تجمعهما أكثر مما تفرقهما. فمن الجانب المغربي له جالية مهمة تعيش فوق التراب الاسباني، وإسبانيا تعتبر الشريك الاقتصادي الأول بالنسبة للمغرب كما أن عددا كبيراً من الشركات الإسبانية تعمل في المغرب بالإضافة إلى الامتيازات التي يتمتع بها أسطول الصيد البحري الإسباني في السواحل المغربية. وقد أفاد سفير أسبانيا بالمغرب السيد: ريكاردو دييز أولشتاينر رودريغيز في إحدى المناسبات أن المغرب يأتي في المرتبة الثانية كوجهة لرساميل الاستثمار الإسبانية، بعد الولايات المتحدة الأمريكية، إذ بلغ عدد الشركات الإسبانية المتواجدة بالمغرب نحو 20 ألف و 500 شركة، تدر سنويا ما مجموعه 14 مليار أورو. ويعد المغرب شريكا مهما لإسبانيا في محاربة الهجرة السرية والإرهاب، وكان من المرتقب أن تعقد قمة ثنائية على أعلى مستوى بين الحكومتين قبل أشهر، لكنها أرجئت بسبب كورونا أو ربما بسبب من الاسباب الاخرى الغير معلنة.
و لهذا السبب قد تكون الخطوة التي أقدم عليها رئيس الحكومة: بيدرو سانشيز يومه السبت بتعديلات حكومية أهمها تغيير وزيرة الخارجية: أرانتشا غونزاليس لايا بسفير إسبانيا بفرنسا: خوصي مانويل آلباريس بمثابة تغيير في الاستراتيجية في العلاقات الدبلوماسية المتوترة مع المغرب من أجل حلحلتها والوصول إلى تفاهمات قد ترضي الطرفين و لربما قد تكون هناك تنازلات من الجانبين. وفي هذه الحالة ربما المغرب لن يحصل على كل ما يريد من إسبانيا و قد يحقق مكتسبات مهمة لصالحه، وفي نفس الوقت إسبانيا قد تغير من نظرتها إلى المغرب وقد تقدم على خطوات مهمة في اتجاه قضية الصحراء المغربية وقد تضطر إلى القيام ببعض الخطوات الاخرى التي قد تساعد فى إعادة العلاقات إلى سابق عهدها. المهم لحد الٱن هو ان المغرب يملك أوراق مهمة يستعملها وفي كل مرة يفاجىء بها إسبانيا مما يجعلها تتعرض لضغوطات داخلية وخارجية قد تغير الكثير من القرارات التي يجب عليها اتخاذها تجاه المغرب.
وخلاصة القول ان الإنتظار و الترقب هو سيد الموقف في هذا الوقت بالذات ولا أحد يتكهن كيف ستتطور الأمور و إلى أية جهة ستتجه و هل سيتم ترجيح كفة على حساب اخرى أو متى سيتجه الطرفان إلى إقامة حوار صريح و واضح بصيغة رابح رابح. أظن أنه في نهاية المطاف أن الذي سيعرف كيفية توظيف جميع أوراقه و كيفية إستعمالها في الوقت المناسب هو الذي سيكسب الرهان وبالتالي سنرى أن الرابح الأكبر في هذه العلاقة المغربية الإسبانية هو مصلحة الشعبين الجارين الذين تحدوهما الرغبة الأكيدة في المزيد من التعاون و التطور و التقدم والازدهار و في تحقيق حياة أفضل للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى