الرأي

خرائط التحليل الجيواستراتيجي في مسألتي المقاومة وإيران.

فؤاد بلحسن.

(جزء 1).

سيحاول كاتب السطور من خلال هذه الورقة التحليلية تفكيك وتأويل جوانب من النقاشات ووجهات النظر التي رافقت الأزمة الأمنية-العسكرية الأخيرة بين إيران وأمريكا عقِب اغتيال الفريق قاسم سليماني، كما سيُحاول تقدير جانب من المآلات الممكنة على المدى القريب والمتوسط، استنادا إلى طبيعة المرحلة، وسلوك الأطراف والمعطيات الجيوسياسية القائمة والمتحولة والمتوقعة.

*    *     *

في الحد الأدنى، هناك إجماع على أن النقاش حول الأزمة المذكورة شهد استقطابا حادا بين من يعتبر الـمُغتال شهيدا وبين من يعتبره إرهابيا، بين من يعتبره بطلَ أمةٍ وبين من يعتبره عدوا تمَّ التخلص منه.

لنفترض أن كلا وجهتي النظر صحيحة منظورا إليهما من جانب أصحابهما. هذا حتى لا يتهمنا أحد بمصادرة حقه في الحكم. بهذا نتجاوز النقاش حول الحكم في حد ذاته، وننتقل رأسا إلى طبيعة وحجج النقاش الذي دار بشأنه. وسؤالنا: ما هي أوجه السوريالية على صعيد التحليلات التي اعتبرت ما يجري مجرد مسرحية؟ وهل عبرت تلك التحليلات عن بعض أوجه عصاب تحليليٍ مَا؟ هل كشفت عن طبقات حقدٍ سحيقة لم تُفلح لا الكرافات ولا تبني نهج الاعتدال ولا خطابات التسامح والحوار الديني في تغطيتها؟ أم أن الأمر لا يعدو انفجارا عاديا في وجهات النظر حول ملف سياسي دولي قائم ومتشعب؟

لقد أدلى كثير من الذين تابعوا هذه الأزمة بدَلوهم، بعضهم له صيت واسع عربيا ودأبٌ على متابعة أحداث الشرق الأوسط والتعليق عليها (مفكرون، كتاب، باحثون، مثقفون،…)، وبعضهم الآخر إما هاو أو غاو أو لاهٍ.

واللافت للأمر أن كثيرا من هؤلاء دخل على خط الأزمة ليس على سبيل التأسيس لفهم موضوعي أو على الأقل لفهم مقبول وعُقلائِي لحيثيات ونتائج الحادث، بل تم ذلك بمنسوب عال من التزييف والتعالي والتشكيك والأستاذية والحقد والمغامرة والإثارة الزائدة والتحمس للحرب.

لنستعرض التوجهات الأساس:

  • التوجه1: اعتبر أن لا خلاف بين محور المقاومة (ممثلة في هذه الحالة بإيران) وأمريكا وأن الأمر لا يعدو أن يكون تبادلا للأدوار والمصالح، تمَّ بالتواطؤ بين خصوم وهميين؛ حيث سُمح لأمريكا إخلاء قاعدة عين الأسد قبل قصفها من قِبل إيران (“أطروحة المسرحية” [سَأُطلِق لاحقا تسمية خاصة على كل وجهر نظر في الموضوع])،
  • التوجه 2: هَزِأ من قدرة إيران على الرد واعتبر أن توعد مسؤوليها بالانتقام مجرد صراخ في الهواء (“أطروحة الدونكيشوتية”)،
  • التوجه 3: انتقل رأسا إلى التشفي في قتيل الشعب الإيراني بدون اعتبار لوضعية الحداد الوطني، بل وثمَّة من تجاوز التشفي إلى اعتبار هذا الشعب أقرب إلى التوحش منه إلى التمدن لأنه لم يستطع حتى تنظيم مظاهرات تأبين بدون سقوط ضحايا جدد. وهو الرأي الذي عبر عن تهريب للموضوع الحقيقي والقفز إلى موضوع آخر، ومثله الرأي الذي جعل من إسقاط الطائرة المدنية الأوكرانية محورَ النقاش (“أطروحة قَشَّة الغَريق”)،
  • التوجه 4: بلغ حد التعبير عن غيظه الواضح أو الضمني لأن أمريكا لا/لم تَـرُد على إيران بما يليق بها كدولة عسكرية عظمى (” أطروحة الميل إلى الحرب والحِقد العاري”)،
  • التوجه 5: أطلق العنان لخياله المسكون بالأستاذية وطفِقَ يقول للناس: لا، لا تتخذوا أي مواقف مما يجري الآن فنحن في حاجة إلى بحوث وأطروحات علمية لنفهم ما يجري، حيث بدا أصحاب هذا الرأي كمن جرى تخدير وعيهم؛ حيث لم يستوعبوا جسامة وحساسية الوضع إلى درجة أن ثانية واحدة كانت كفيلة بإشعال حرب عظمى أو عدم ذلك، وأن لا أحد في هذا الظرف على وارد الاهتمام بنتائج بحوثهم أو حتى رأيهم (“أطروحة الـمُرجِئة الجديدة”[1])،
  • التوجه 6: شرَع في المزايدة على المقاومة في صراعها مع أمريكا والغرب المستكبر . لكن اللافت أن بعض أنصار هذا التوجه لا/لم يقدم ولا رصاصة واحدة في مواجهة الاحتلال ولا هو قادر على الصمود في وجه أمريكا والغرب. بل من الدول من لا يستطيع الرد ولو بالكلام على أعمال السخرية المتكررة على لسان بعض قادة الغرب حيالها (“أطروحة المزايدة”)،
  • التوجه 7: لم يتردد أصحاب هذا التوجه في اتهام كل من خالفهم الرأي بالتشَيُّع بينما هو يرفض أن ينعته غيره بالتَّأَمْرُك(“أطروحة كل شيعة العالم وأنصار المقاومة عملاء لإيران “)،
  • التوجه 8: دعا إلى رد عسكري سريع وفوري وساحق على واقعة الاغتيال دون أي مراجعة للاحتمالات الممكنة جراء رد غير محسوب، ومنها احتمال نشوب حرب جديدة مدمرة في المنطقة (“أطروحة الثأر”)،
  • التوجه 9: أكد على ضرورة الرد لكن بطريقة تحقق إنفاذ العقوبة على جريمة الاغتيال فقط، دون الانجرار إلى الحرب الشاملة (“أطروحة الرد وحِفظ ماء الوجه”)،
  • التوجه 10: أكد أهمية ألا يكون الرد مناسبا للجريمة، بل أن يكون أكثر منها من حيث الأثر وأطول منها من حيث الامتداد الزمني، أي أن يكون ردا استراتيجيا (“أطروحة حرب الاستنزاف”)،
  • التوجه 11: فضل أصحاب هذا التوجه دعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس (“أطروحة التهدئة”)، إلخ.

وفي الواقع، وحتى ولو جرى تقديم هذه الأطروحات-الآراء بصورة تصنيفية (نَموذجية/نَمذَجية)، على سبيل التوضيح وتفكيك وتبسيط ما يظهر معقدا، إلا أنها عمليا، على مستوى الواقع، تتداخل فيما بينها على عدة مستويات وفي أكثر من عنصر. وهذا ما يبدو جليا من خلال تداخل وتقارب سجلاتها الخطابية وحججها المقدمة. وإذا دققنا النظر  في كل هذه السجلات الخطابية ووجهات النظر، التي سرعان ما تحولت إلى شبكة واسعة من الأفكار، ونَظَرنا إلى الأرضية التي تتحرك عليها، فإننا سنصل إلى نتيجة واضحة: إن الأمر يتعلق في النهائية بـ [أو يمكن اختزاله في] ثلاث مسائل بسيطة، نُجملها في التالي: 1. الموقف من محور المقاومة (مع/ضد) / 2. الموقف من المذهب الآخر (السني من الشيعي/والشيعي من السني) / 3. الموقف من أمريكا (مع/ضد). هذه هي المتغيرات الأساس للنموذج الإرشادي (Paradigme) الذي يقود هذا النقاش وهذه المواقف، والذي يمكن أن يشكل خلفيةمنهجية لتفسير المشهد برمته[2].

لكن هنا، من المهم جدا طرح سؤال أساسي: ما مصدر كل هذا الهذيان والوسواس القهري والتلفيق والافتراء والتحشيد والتعبئة والسخرية والحماس والنضالية المفرطة والقيل والقال، والتناقض في تفسير الوقائع وأساليب الحجب والحذف لوقائع أخرى، وغيرها من الأعراض النَّفس-ذهنية، في منطقتنا العربية، كلما تعلق الأمر بشأن إيران تحديدا، وهي الأعراض الذي جعلتنا أمام نقاش أقرب إلى مشهد سوريالي وغثياني وصراعي مبدد للطاقات ومتلف للأعصاب ومهلك لقيم الحوار والتعايش؟

على ضوء النموذج الإرشادي المذكور آنفا، وشبكة الأطروحات الخطابية المعروضة أعلاه، يمكن عرض 3 خطاطات أساسية حول خلفيات وأبعاد الموقف من إيران ومن الأزمة الحالية بالتبعية. وهي الخطاطات التي قد تفيدنا في مسك خيط الأيديولوجي والعقدي في هذا المشهد.

الخطاطة 1: خطاطة القراءات المسترزقة:

هناك من يتَّخِذ التحليلات والقراءات التحريفية مسألة حرفة للارتزاق (بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وبلا مبالغة). حيث نجدهم يرتحلون من وسيلة إعلامية تابعة لبعض الدول الخليجية المتخاصمة مع إيران [السعودية، البحرين، الإمارات، وقطر قبل حصارها] إلى وسيلة إعلامية أخرى [قناة العربية أبرز نموذج، بالإضافة إلى جل القنوات الوطنية الرسمية التابعة لهذه الدول]. وهؤلاء معروفة أسماؤهم وأدوارهم: ترديد نفس الشريط والعبارات محاولة منهم لتشكيل عقيدة قومية عربية مناهضة لإيران ومؤيدة للمحور السعودي، مفادها: 1. إيران هي أكبر تهديد للعرب والشرق الأوسط (يتجنبون عمدا الحديث عن الدور المخرب للمنطقة الذي تؤديه إسرائيل وأمريكا وبريطانيا وفرنسا)؛ 2. يمكن التحالف مع أمريكا وإسرائيل بينما يستحيل ذلك مع إيران (لا يذكرون عدد مبادرات السلام التي رفضتها إسرائيل: «مبادرة السلام السعودية، 1981» و «مبادرة السلام العربية، 2002»، ولا عدد مبادرات السلام التي اقترحتها إيران، ومنها «مبادرة هرمز 2019»)، 3. إيران احتلت أكثر من عاصمة عربية (بيروت، بغداد، صنعاء] وهي تستأنف مشروعها (لا يذكرون كم احتلت ودمرت وقصفت أمريكا وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا من عاصمة عربية [القدس، بغداد، صنعاء، دمشق، الخرطوم، طرابلس، بيروت، كابول،…/يمكن ملاحظة أيضا أن إيران لم تحتل أي عاصمة عربية وأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد أوهام يُراد منها أن تصير حقيقة، حيث يُستعمل أسلوب التضخيم في سبيل ذلك!)، 4. إيران تدعم ميليشيات مسلحة (لا يذكرون الميليشيات المسلحة والقوى السياسية التي يجري دعمها في كل بقاع العالم من قبل دول الغرب ودول الخليج المذكورة آنفا (في سوريا، في لبنان، في اليمن، في ليبيا، في السودان، بل وفي داخل إيران نفسها. أذكر على سبيل «منظمة خلق» و«منظمة جند الله» اللتان تنفذان أعمال تفجير وخطف واغتيال ونقل المعلومات في الداخل الإيراني لمصلحة الغرب ودول الخليج]).

يدخل هؤلاء المجنَّدون الثقافيون في حقول الثقافة والفكر والإعلام لا ليَسْردوا قصة الشرق الأوسط كاملة ولا ليَصِفوا المشهد كاملا، بل ليدفنوا أجزاء كبيرة منهما وليَـبُـثُّوا الوعي المزيف تحت عناوين مختلفة (مفكر، مدير مركز، محلل، باحث جامعي، خبير دولي، موظف أممي، متطوع إغاثي دولي، وما إلى ذلك)، مِيزتهم الأساس، هي أنهم يقولون كل شيء باستثناء الوجه الآخر من الحقيقة وصِلتهم بالمال الخليجي ومصادر تمويل مشاريعهم الفكرية والبحثية وسبب ثرائهم وشهرتهم الإعلامية.

الخطاطة 2: خطاطة القراءة المتحاملة:

 يأتي صنف ثان، وهو الصنف الملحق مباشرة بالسياسة الخارجية الغربية أو الذي يمثل مصالحها القومية، وهذا الصنف تجده أكثر في وسائل الإعلام المستَعْرِبَة، التي تقدم لمشاهديها السم في العسل كلما تعلق الأمر بقضايا استراتيجية وحيوية متعلقة بالشرق الأوسط. وتمثل «فرانس 24»،«BBC»، «الحرة»، «أورو نيوز»، وغيرها، في مقدمة الصف الدفاعي عن المصالح الغربية في قوالب جد ذكية [أكثر ذكاء حتى من قنوات منطقتنا العربية، ولا أبالغ إذا قلت أنها أكثر ذكاء من قناتي «الجزيرة» و«الميادين» ذائعتا الصيت].

الخطاطة 3: خطاطة القراءة الممَغنطة (التابعة)

وهي الخطاطة الأكثر فوضوية في بنيتها وطريقة اشتغالها. وهي تضم المحللين الاستراتيجيون الذي لا دراية لهم بمسائل وملفات الجيوبوليتيكوالجيوستراتيجيا ولعبة الأمم سواء من حيث العلم أو المتابعة أو الاستيعاب: هؤلاء هم صناعة أولئك (فهذه الخطاطة الفوضوية هي صناعة الخطاطتين السابقتين الأكثر تنظيما واستهدافا ووعيا). فبعد أن يتحسس هؤلاء المحللون الذين دخلوا بالغلط حقل العلاقات الدولية بعضا من ريش الفكر، يعتبرون أنفسهم قطعوا الشوط وباتوا مؤهلين لتقديم عروضا في التحليل السياسي والعسكري. حتى أن بعضهم ينعم باعتقاد خاطئ بأن هذا النوع من التحليل يتوقف على كتابة بِضعة سطور أو تغريدات مطولة على فايسبوكوتويتر وغيرهما. ولا فائدة في إطالة الحديث عن هذا الصنف. لأنه بالإضافة إلى ضعف محمول خطابه، يصعب الإمساك عن أدوات اشتغال فكره وصناعة رأيه، لأنه في الأصل لا يملك بنى منهجية في تحليله للوضعيات المعقدة وكثيرا ما يسيطر عليه لاوعيه العميق أكثر من وعيه اليَقظ، وهو منفعل بالحوادث والوقائع أكثر منه مُدرِك لتفاصيلها ورهاناتها. فهو جزء من اللعبة وليس فاعلا في اللعبة. لكن أهميته، وخطورته في نفس الوقت، تأتي من أنه بات يساهم في صناعة الرأي عبر العدوى السريعة الانتشار على صعيد شبكات التواصل الاجتماعي (يتحرك هؤلاء تحت عنوان: «المؤثرون»، وفي حالات، قد يعجز المرء عن التفريق بينهم وبين «البلطجية»).

وحين أشير إلى هذه النماذج التي توجد في الجهة/الجبهة المقابلة لمحور المقاومة، لا يعني أنه ليس لإيران ومحور المقاومة جنودها الثقافية ووسائلها الإعلامية وأموال الدعم المقدمة للمراكز البحثية والجرائد والقنوات الإعلامية شبه المستقلة والرسمية (الميادين، العالم، المنار، الاتجاه،…). نعم بالتأكيد هذا كله موجود، بل إن محور المقاومة يَعتبر وجوده شرطا ضروريا في وجود المقاومة ذاتها وفي استمرارها وأداة لبث دعايتها في وقت السلم والحرب. لكن وجود هذا التقارب في بُنى وشكل الأداء بين الجِهتين لا يعني التطابق في مناهج العمل وحجاجه ورهاناته. إذ هناك بون شاسع، وهو ما يتبدَّى عند مقاربة خلفية ومضمون وأداء نخبة كل محور.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى