الرأي

دفن موتى المسلمين بالمهجر.

الدكتور خليل الادريسي.

يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: “وما تدري نفس بأي أرض تموت”، أي أن الإنسان قد يموت بموطن عيشه أو توافيه المنية في مكان آخر ، وبالتالي فإن مكان موت المرء من الأمور الغيبية التي استأثر بها الحق عز وجل. وقد سبق للفقهاء منذ القدم أن أثاروا مسالة دفن المسلم ببلد غير المسلمين فأجمع جمهورهم على مبدئ عام: هو أن لا يدفن مسلم في مقابر غير المسلمين إلا لضرورة مستحكمة، أما إن كانت ستفرد له قطعة من أرض معزولة عن مقابر غير المسلمين فقد أجازوا ذلك مستدلين على ذلك بدفن الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه بالقسطنطينية، كما أنهم قالوا بأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن الصحابة رضوان الله عليهم ولا التابعين أنهم كانوا يحرصون على نقل الشهداء الذين استشهدوا في المعارك لدفنهم بأرض الإسلام. إذن فالقاعدة هي التفريق بين مقابر غير المسلمين ومقابر المسلمين، فعن بَشِيرٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: “لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلاَءِ خَيْرًا كَثِيرًا (ثَلاَثًا)، ثُمَّ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤُلاَءِ خَيْرًا كَثِيرًا (ثلاثا)” رواه أبو داود، مما يدل أنه على عهد رسول الله كان هناك مقابر للمسلمين ومقابر للمشركين على أرض واحدة.
وبالنسبة للفقهاء المعاصرين نجد أن الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين نشر مؤخرا في موقعه الالكتروني (www.iumsonline.org) مجموعة من الفتاوى المرتبطة بأحكام تجهيز الموتى في جائحة كورونا، حيث أورد في شأن مكان دفن الميت ما يلي: “الأصل أن يدفن المسلم في مقابر المسلمين، فإن لم يتمكنوا من دفنه مع المسلمين دفنوه في مقابر مشتركة، وإلا ففي أي مقبرة”، كما أنه أضاف: “وتجب الصلاة عليه ولو فرادى أو يصلوا عليه صلاة الغائب إن لم يصل عليه أحد”، وذلك بعدما اعتبر العلماء الذين وقعوا على هذه الفتاوى أنه في حالة الخوف من انتشار الوباء أو إلحاق الضرر بالأحياء، حسب قرار أهل الاختصاص، فإن الدفن في تابوت أو كيس مغلق لا كراهة فيه بل قد يكون الأولى شرعا، وذلك لما تقتضيه ضرورة الحفاظ على حياة المشيعين ومنع انتقال العدوى لهم.
هذا وتأتي ضرورة التعجيل بالدفن مصداقا لما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عليٍّ كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثلاثة يا علي لا تؤخرهنَّ: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً. وقال صلى الله عليه وسلم: “إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره إلا إذا كان هناك سبب شرعي يدعو إلى تأخير الدفن كوجود شبهة قتل مثلاً، فيؤخر الدفن لفحص الجثة والتأكد من ذلك. وقد قال الإمام الشافعي في الأم: ولا ينتظر بدفن الميت غائب من كان الغائب. ولقد علمنا أن هناك مهاجرين مغاربة فقدوا ذويهم في ظل هذه الظروف التي نعيشها حاليا (أوضاع الحجر الصحي)، وأنهم يرغبون في الاحتفاظ بجثث هؤلاء بأجهزة التبريد إلى حين عودة حركة النقل بين المغرب و المهجر لنقلهم ودفنهم بالمغرب
كل هذه الآراء الفقهية تتعلق بالظروف العادية فما بالنا بظروف الجائحة التي يستحيل فيها نقل الجثث بغض النظر عن تلك التي توفيت نتيجة العدوى والتي تقتضي الضرورة اتخاذ الاحترازات الواجبة لعدم تفشي العدوى.
إلى جانب البعد الشرعي هناك ضرورة اجتماعية ونفسية تفرض علينا التعامل مع حالات الوفاة السالف ذكرها، بواقعية وحكمة. إذ كلنا يعلم أن مسألة دفن الميت تمثل في حد ذاتها مواساة وراحة نفسية لذوي المتوفى، لأنهم يعتبرونها واجبا في ذمتهم تجاه هذا الأخير، وكلما تأخرت هذه العملية تبقى معاناتهم معلقة معها، وهنا أسوق قولة شهيرة معروفة منذ القدم هي: إكرام الميت دفنه، وبالتالي فإن من حق الميت على أهله أن يكرموه. كما أنه من حقوق الميت على الدولة التي توفي على أرضها أن توفر له قطعة أرض ليدفن فيها ووفق الطقوس والشعائر المرتبطة باعتقاده. وهذا ضمن حقوق الإنسان بوصفه إنسانا بغض النظر عن جنسيته أو دينه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى