متفرقات

سفر وجمال…

فريدة العاطفي / أخصائية نفسية / فرنسا .

البارحة كنت على سفر، وصلت متأخرة إ ومتعبة إلى بيتي.
محطة الحافلات بيرسي بباريس تشبه محطات الحافلات بالمغرب لكن من دون متسولين…فوضى كبيرة وأناس يركضون في كل الاتجاهات يبحثون عن معلومات لا يملكونها، وجوه متعبة و أخرى ضائعة…وسوء تنظيم شديد، سيدة برتغالية في قمة غضبها لانهم بعثوا لها اسم المحطة خاطئا، ومجموعة شباب ألمان يتحدثون بالانجليزية ويبدو عليهم عدم الفهم لما يحصل في هذه المحطة العجيبة…ومسؤولون عن الامن واقفين بلامبالاة دون أن يفهم المسافر ما هو دورهم الحقيقي..
لأول مرة أعبر هذه المسافة الصغيرة من باريس الى اورليون بالحافلة . انا من عشاق السفر بالحافلات والمسافات الطويلة، رغم أنه سفر يكون عادة مليئا بالمشاكل ، لكني احب حالة الاستنفار القصوى التي يضعنا فيها هذا النوع من السفر، في سفر واحد افرح، وأبكي واغضب وابتسم، احيانا اقوم بلقاءات جميلة ابتسم في وجه الناس ويبتسمون لي،احيانا اصادف أناسا عبوسين كما لو أن السحب ستنفجر فوق رؤوسهم فأعبس بدوري في وجوههم.
جلست انتظر حافلتي، فاقترب مني شاب اسمر باسم، جلس بجانبي كما لو أنه يعرفني قال لي بفرنسية متعثرة : ” انت جميلة” …
اندهشت، لأنه بالفعل ليس هناك احد ينتبه لأحد في هذا النوع من المحطات…أجواء متوترة فعلا.
أجبته وأنا اضحك: ” أنا متعبة بسبب أجواء هذه المحطة.”
فرد بنفس الابتسامة : ” اذن بعض النساء يناسبهن التعب.”
فهمت منه أنه شاب هندي مقيم في بريطانيا وجاء لزيارة اخيه في باريس، اشترى تذكرة ب 129 اورو ولكنه لا يفهم شيئا، اذ لا وجود للحافلة المذكورة، وكلما اتصل بالرقم على الانترنت لا يجيبه احد.
في هذه اللحظة بالذات فهمت بأنه جاء وجلس بجانبي، لأنه كان متوترا، وهو يبدو من نوع الرجال الذين حين يتوترون من موقف، ينشغلون بأشياء أخرى اكثر راحة لذهنهم حتى يستطيعون التصرف بهدوء.

ويبدو ان الحديث مع النساء خصوصا العابرات/ المجهولات يريح أعصاب الرجال، ومنهم من قد يعتبر الغزل عملية تنفيس تساعده أن يتحرر من ضغوطات اخرى لا علاقة لها بالمرأة ولا بالغزل.
كان الشاب الهندي يبدو في بداية الثلاثينات من عمره ، قلت مع نفسي: ” يبدو أنه اكتسب هذه العادة الجميلة في سن مبكرة ، ربما جاء الى هذا الكون وهو يحملها معه ، وهي عادة يصعب على الكثير من الناس القيام بها، وتعني أن ينشغلوا وهم في قمة التوتر بأشياء أخرى، تلهيهم عما يوترهم حتى يتمكنوا من ايجاد الحل للمشكل المطروح أمامهم”.
قلت له: ” اذا لم تأت حافلتك عليك أن تفعل ما أنوي أن افعله انا، لقد جئت من دون تذكرة لاني كنت قريبة من هذه المحطة، سأنتظر حافلة متوجهة الى مدينة تور ، واطلب من السائق ان ينزلني باورليون مقابل مبلغ من المال ، وهو سيقبل، انت انتظر حافلة تكون متوجهة الى بريطانيا، اذا كنت حجزت ب129 اورو اقترح على السائق 80 او على اكثر تقدير 100 اورو وسيقبل، وحين تصل راسل شركة النقل واطلب تعويضك.

انتظر الشاب معي حافلتي… حتى يتأكد ان السائق سيقبل عرضي…وانا اصعد الحافلة لوح لي بيده كصديق قديم… وقال لي مبتسما بصوت مرتفع: ” انا اقول دائما ان الحل عند النساء”.
أما انا فقد احتفظت بصورة وجهه الباسم على امتداد الطريق: لقد تعلمت منه في حالة التوتر امام مشكل أن انشغل بموضوع آخر مريح ( اكيد لن اقول لرجل مسافر انت وسيم…هه) ولكني قد ابتسم في وجه طفل واتحدث معه او اسمع اغنية…او اقوم بأي شيء آخر مريح… حتى اتحرر من التوتر… وبعد ذلك اعود لمعالجة المشكل بهدوء اكثر..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى