ثقافة وفنون

19 نوفمبر، اليوم العالمي للفلسفة.

رضوان الأحمدي.

الفلسفة هي دراسة “الموجود بما هو موجود”، أي أنّها تتناول دراسة الموجود بشكل عام، لتُحدّد أحكامه بغضّ النظر عن خصوصيّاته. , أهمية الفلسفة تكمن في أنها تجيب على تساؤلات تلاحق الإنسان عن معنى و جوده ، توضح حيرته و تعطيه رؤية كونية للأشياء . الفلسفة تدعو الإنسان ن يكون مجبولا على االيقظة الفكرية، تأملا .
الفلسفة تلبي حاجيتنا الى وسيط نتوسل به لنخفف عن قلقنا والضياع الذي يكتنفها. الفلسفة تخبرنا بليونتها المعتادة ان نعرف و نتعرف على أنفسنا، من أين وفي أين و إلى أين بالفلسفة نتقمص دور المكتشف عن المجاهيل بتسليط الضوء على الشبهات التي تعارض بغموضها مسار وجودنا ، نستفسرها عن هويتنا ، هل لها جذور تنويرية ام هي هلام من صنع الأوهام ؟
بالفلسفة نهذب الذوق و نشتعل هدوء، جمرة السؤال ، نتمرد على المعنى و نسميه إصطلاحا،. بالفلسفة نتجرد من سطحيات و هون سياج الأفكار،
بالفلسفة نؤمن بنسبية السياقات و نحوم جاذبية نحو القيم ، منافحة عن الكرامة و الأخلاق كأسمى منجزات تهم الفيلسوف الشاعر، الثوري و الحكيم عند زاوية يتأمل ،هل للعالم نهاية أم تتكرر بدايته إلى الأبد و بدون إنقطاع.
وهنا يحضرني نص كتبه جون بول سارتر، عنوانه : “مسائل في المنهج ” و يقول فيه ؛
“تبدو الفلسفة للبعض وكأنها وسط متجانس تنشأ فيه الأفكار وتفنى، وتبنى فيه الأنساق لكي تنهار. ويعتبر آخرون أن الفلسفة موقف ما نكون دوما أحرارا في اتخاذه . أما .لغير هؤلاء، فتمثل الفلسفة قطاعا معينا من الثقافة. وفي نظرنا، فإن الفلسفة لا وجود لها، بأي صورة تفحصناها، فهذا الظل للعلم أو هذا الوجه الخفي للإنسانية ليس إلا تجريدا اقنوميا. وفي الواقع هناك فلسفات ، أو بالأحرى تتكون فلسفة ما في بعض الظروف المحددة بدقة لكي تجد فيها حركية المجتمع العامة تعبيرا عنها، ذلك انه لا يوجد أبدا في الوقت نفسه أكثر من فلسفة واحدة تكون حية – وطالما بقيت حية، فهي التي تصلح لأن تكون مناخا ثقافيا للمعاصرين لها. إن هذا الموضوع المحير يتبدى في الآن نفسه في مظاهر عميقة التميز يوحدها باستمرار.
إن فلسفة ما هي قبل كل شيء طريقة معينة تمكن الطبقة الصاعدة من الوعي بذاتها، وقد يكون هذا الوعي واضحا أو معتما، مباشرا أو غير مباشر. ففي عهد النبلاء الجدد و الرأسمالية التجارية ، تمكنت طبقة بورجوازية من الحقوقيين و التجار و أصحاب المعارف من إدراك بعض الجوانب من ذاتها بواسطة الديكارتية. وبعد قرن ونصف ، وفي المرحلة الأولى من التصنيع ، اكتشفت طبقة بورجوازية من الصناعيين والمهندسين والعلماء ذاتها اكتشافا غامضا في صورة الإنسان الكلي الذي قدمته الكانطية.
لكن لكي تكون هذه المرآة فلسفية بحق ، لا بد أن تكون تجميعا للمعرفة المعاصرة. فالفيلسوف هو الذي يقوم بتوحيد كل المعارف ، مسترشدا ببعض الرسوم التخطيطية الموجهة و التي تترجم عن مواقف الطبقة الصاعدة وتقنياتها إزاء عصرها وأمام العالم . وفي مرحلة لاحقة، عندما سيقع الاعتراض على تفاصيل هذه المعرفة واحدا تلو الآخر وتحطيمها بسبب تقدم المعارف ، سيبقى المجموع بمثابة مضمون غير متميز. فبعد أن كانت هذه المعارف تابعة لمبادئ، تصبح هذه الأخيرة بدورها تابعة لتلك المعارف المحطمة والتي تكاد تكون مستعصية على الفهم . و عندما يرتد الموضوع الفلسفي إلى أبسط تعبير عنه ، فإنه سيبقى في ” الروح الموضوعي ” في صورة فكرة ناظمة تشير إلى مهمة لا متناهية. هكذا نتحدث اليوم عن ” الفكرة الكانطية ” عندنا. أو كما هو الأمر لدى الألمانيين عن ” رؤية العالم ” عند فيخته. ذلك أن فلسفة ما، عندما تكون في عنفوانها، ليست أبدا شيئا جامدا وكأنها الوحدة السلبية والمكتملة بعد للمعرفة.

هذه الفلسفة التي هي وليدة الحركة الاجتماعية، تكون هي نفسها حركة وذات تأثير على المستقبل . إن هذا التجميع العياني هو في نفس الوقت المشروع المجرد المتمثل في مواصلة التوحيد حتى حدوده القصوى. وعلى هذا النحو، تتميز الفلسفة بأنها منهج بحث وتفسير. والثقة التي تضعها في ذاتها وفي نموها المستقبلي ليست إلا إعادة إنتاج يقينات الطبقة التي تحملها. فكل فلسفة هي عملية ، حتى تلك التي تبدو ولأول وهلة الأكثر طابعا تأمليا. فالمنهج سلاح اجتماعي و سياسي (…).
وهكذا تظل الفلسفة ناجعة طالما يبقى حيا البراكسيس الذي أنشأها والذي يحملها وتنير له الفلسفة السبيل . إلا أنها تتحول وتفقد فرديتها وتتجرد من محتواها الأصلي والمحدد زمانيا بقدر ما تتغلغل شينا فشينا في الجماهير لتصبح فيها وبها أداة جماعية للانعتاق .”
الفلسفة عناد ، منهج، و نبض يزعج انضباط الإيقاع و مجراه، وهكذا يتكرر السؤال ….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى