الرأي

البريطانيون يوبخون أنفسهم.

طلحة جبريل موسى.

ما يحدث في بريطانيا الآن يطرح سؤالاً شائكاً بشأن جدوى الاستفتاءات.
ذهب البريطانيون في يونيو 2016 للاستفتاء حول مستقبل عضوية بلادهم في الاتحاد الأوروبي .
كان السؤال المطروح على الناخبين ، بين “نعم للخروج” أو “نعم للبقاء” .
إختار البريطانيون “الخروج” لتبدأ عملية معقدة وطويلة جداً ربما تؤدي في نهاية الأمر إلى الإطاحة برئيسة الحكومة تيريزا ماي ، مثل ما أطاحت نتائج الإستفتاء من قبل برئيس الحكومة السابق ديفيد كاميرون، الذي كان يفضل استمرار عضوية بلاده في الاتحاد الأوروبي، لكن ناخبين متسرعين خذلوه.
لعل من المفارقات أن كاميرون كان ضحية الإستفتاء، ويمكن أن تكون ماي أيضا ضحية إستفتاء يطالب به كثيرون الآن في بريطانيا بعد أن تبين لهم أنه من الأفضل بقاء بلادهم داخل الاتحاد. على الرغم من أن بريطانيا ظلت تغرد خارج السرب الأوروبي، إذ أنها لم تقبل اتفاقية “شينغن” واحتفظت بالجنيه الاسترليني عندما ألغى الأوربيون عملاتهم وأختاروا اليورو عملة موحدة .
أعتقد الذين صوتوا للخروج أن ذلك سيحسن أوضاعهم الاقتصادية، لكنهم سيكتشفون أن تكلفة الخروج ستكون باهظة قد تصل إلى حدود 45 مليار يورو، مع عدم وجود ضمانات بأن يتمتع البريطانيون بالحقوق نفسها التي يتمتعون بها الآن في الدول الأوربية بحكم عضوية بلادهم في الاتحاد.
بل كادت تيريزا ماي أن تسقط حتى قبل ذلك عندما إنتفض ضدها نواب من حزبها يعتقدون أنها حصلت على اتفاق سيئ للخروج من الاتحاد الأوروبي . وفي تصويت داخلي صوت 117 من نواب حزب المحافظين بسحب الثقة منها، ونجت من السقوط لأن المطلوب كان تصويت 158 ضدها .
يتباهى البريطانيون كثيرا بنظامهم الديمقراطي ، الذي يعرف باسم “ديمقراطية ويستمنستر”
وهو نظام برلماني بدأ في القرن الثاني عشر، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى “قصر وستمنستر” مقر البرلمان.
يتكون البرلمان من مجلسين ، مجلس العموم الذي تبدأ جلساته بالصياح وتنتهي بالصياح، وذلك أيضا جزء من التقاليد البريطانية.ومجلس اللوردات الذي يضم ” النبلاء” وهو لقب تمنحه الملكة.
لكن الاستفتاء الأخير أثبت أن النظام البرلماني في بريطانيا يتحكم في الناخبين ولا يتحكم فيه الناخبون.
ولأول مرة ربما في تاريخ الاستفتاءات وبخ الناخبون أنفسهم، وراحوا يطالبون باستفتاء جديد للتصويت ضد تصويتهم الأول حتى تبقى بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي.
حاول البريطانيون نشر نظامهم الديمقراطي في جميع أنحاء العالم عندما كانت “امبراطوريتهم” لا تغيب عنها الشمس.
المبدأ الذي عملوا به هو “صوت واحد لشخص واحد”.
نجحت التجربة في بعض البلدان، على غرار الهند مثلا، وفشلت في معظم الدول خاصة في إفريقيا.
لكن اللوم الذي يوجه إلى بريطانيا من شعوب الدول التي استعمرتها أنهم اقترحوا “الشكل” الديمقراطي ولم يقدموا “المضمون” وهي التنمية.
لم تدفع بريطانيا ثمنا لاستعمارها عشرات الدول ، والآن ترغب ألا تدفع ثمنا لخروجها من الاتحاد الأوروبي.


تم النشر بموافقة الكاتب.


]]>

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى